الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
287
تفسير روح البيان
إِنْ تَرَكَ خَيْراً اى مالا قليلا أو كثيرا أو مالا كثيرا يقال فلان ذو مال ولا يطلق ذلك لمن له مال قليل * وعن عائشة رضي اللّه عنها ان رجلا أراد ان يوصى قالت كم مالك قال ثلاثة آلاف قالت كم عيالك قال أربعة قالت انما قال اللّه ان ترك خيرا وان هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك وأصل الخيران يكون لكل ما يرغب فيه مما هو نافع لأنه ضد الشر * قال في اخوان الصفا الخير فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي من أجل ما ينبغي الْوَصِيَّةُ نائب فاعل كتب اى فرض الإيصاء لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ممن يرث وممن لا يرث بِالْمَعْرُوفِ نصب حالا اى بالعدل لا يزيد على الثلث ولا يوصى لغنى ويدع الفقير وكان السبب في نزول هذه الآية ان أهل الجاهلية كانوا يوصون بما لهم للبعدى رياء وسمعة وطلبا للفخر والشرف ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة فصرف اللّه تعالى بهذه الآية في بدء الإسلام ما كان يصرف إلى الأبعدين إلى الوالدين والأقربين فعمل بها ما كان العمل بها صلاحا وحكمة ثم نسختها آية المواريث في سورة النساء فالآن لا يجب على أحد ان يوصى لاحد قريب ولا بعيد وإذا أوصى فله ان يوصى لكل من الأقارب والا باعد الا للوارث حَقًّا اى أحق هذه الوصية حقا عَلَى الْمُتَّقِينَ المجتنبين عن ضياع المال وحرمان القريب يعنى ان كنتم متقين باللّه لا تتركوا العمل بهذا * قال ابن الشيخ في حواشيه فان قيل قوله على المتقين يقتضى ان يكون هذا التكليف مختصا بالمتقين وقد دل الإجماع على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين وغيرهم أجيب بان المراد بقوله حقا على المتقين انه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقا له ومذهبا فيدخل فيه الكل فَمَنْ بَدَّلَهُ الضمير راجع إلى الوصية لكونها في تأويل الإيصاء اى غير الإيصاء عن وجهه الشرعي والمشهور ان من غير إيصاء المحتضر هو الوصي أو الشاهد فالوصي يغير الوصية اما في الكتابة أو في قسمة الحقوق والشاهد يغيرها اما بتغيير وجه الشهادة أو بكتمها ويمكن ان يكون التبديل من سائر الناس بان منعوا من وصول المال الموصى به إلى مستحقه فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله فمن بدله بَعْدَ ما سَمِعَهُ اى بعد ما وصل اليه وتحقق لديه فَإِنَّما إِثْمُهُ اى ما اثم الإيصاء المغير أو اثم التبديل الا عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ لأنهم خانوا وخالفوا الشرع لا على الموصى وهو الميت فإنه برئ من الإثم إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بالإيصاء وتغييره عَلِيمٌ بثوابه وجزاء من غيره وهو يجازى كل واحد منهما بما يستحقه فَمَنْ شرطية أو موصولة خافَ اى توقع وعلم فإنه إذا علم خاف فهو من اطلاق اسم اللازم على الملزوم مِنْ مُوصٍ اى من الذي أوصى وهو يجوز ان يتعلق بخاف على أنها لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنها حال من جنفا قدمت عليه لأنها في الأصل صفة له فلما تقدمت نصبت حالا جَنَفاً اى ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية أَوْ إِثْماً اى تعمدا للجنف يعنى إذا جهل الموصى موضع الوصية أو زاد على مقدار الوصية أو أوصى بما لا يجوز ايصاؤه فَأَصْلَحَ الظاهر أن المراد بالمصلح هو الوصي لأنه أشد تعلقا بأمر الوصية الا انه لا وجه لتخصيصه بالوصى بل ينبغي ان يدخل تحته كل من يتأتى منه رفع الفساد في وصية الميت من الوالي والولي والوصي ومن يأمر بالمعروف والمفتى والقاضي والوارث بَيْنَهُمْ اى بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون فغير وصيته